المترو في القاهرة هو مثال حي صغير لها، تري فيه كل الأشكال والألوان، كل الأحوال والصفات، يموج بالحركة ويموج معه الناس بهمومهم وأفراحهم وأتراحهم، تعودت منذ زمن كلما دخلت موجه الهادر أن أراقب الناس، أنظر لهذا وذلك، ويستهويني أكثر منظر المحبين الصغار الذين يمتلئ بها مترو القاهرة.

 

ذات مرة لفت نظري شاب وفتاة في مقتبل العمر، أظنهما طالبان بالجامعة، الفتاة جميلة من النوع الذي لا يختلف علي جمالها أحد، أما الشاب فوسامته أقل من المقبول، ولكني لاحظت إصابته، يبدو أنه للتو خارجاً من شجار، فآثار اللكمات والصفعات ما تزال جاثمة علي وجهه وبعض أثار الدم علي ملابسه ويمشي متكئاً عليها! نعم علي الفتاة، التي تمشي بجواره وتحيط وسطه بيدها تسنده وتساعده علي الحركة .

 

ما أن دخلا محطة المترو حتي تحركت مسرعة وأسندته علي الحائط، ومشت نحونا تطلب من أحدنا أن يقف له من علي مقعد المحطة حتي يجلس لأنه متعب، وقفت له أنا وأخر فما هذه التي يرفض لها طلباً، أجلسته وجلست بجواره، خُيل لي أن الشجار بسببها، ظننت أن أحد ما عاكسها أو شاكسها -فجمالها من النوع الذي يُلتفت الانتباه ويجذب  الأعين، هذا الجمال الرائع البسيط الخالي من أدوات الزينة، اللهم إلا اليسير- فانتفشت رجولته وثارت غيرته ودخل في مشاجرة دفاعاً عنها وعن رجولته المغدورة .

 

ما لفت انتباهي أكثر نظرات الرعب والقلق البادية في عينيها الجميلتين الوادعتين، يبدو أنها كادت أن تموت رعباً علي الجالس بجوارها، لأول مرة في حياتي أري نظرات رعب بهذه الطريقة في عين أحدهم، ولقد قال “الرافعي” قديماً عن نظرات المرأة لمن تحب “متى نظرتِ المرأةُ إلى رَجُلٍ تُعجَبُ بهِ كانتْ نظراتُها الأولي متحيرةً قلقةً غيرَ مُطْمَئِنَّةٍ؛ معناها: هَلْ هُوَ أَنْتَ؟ فإذا داخَلَها الحبُّ، واطمأَنَّتْ، جاءَتْ نظراتُها مُسْتَرْسِلةً، متدلِّلَةً، مُتَأَنِّثَةً، معناها: هُوَ أَنْت وأعتقد أن هذا الكلام لا ينطبق علي نظرات الحب فقط بل علي كل نظرات الأنثي العاشقة، نظرات القلق والخوف، نظرات العتاب والحزن، نظرات الغضب والكبت، كل النظرات بين المحبين لها نفس منطق الرافعي مع تغيير التعابير .

 

الفتاة لم تكتفي بكل هذا، فما أن توقف المترو في المحطة حتي اندفعت سابقةً حبيبها توسع له مكاناً في ازدحام المترو، تحميه من الاصطدام بهذا وذاك، رغم ضألة حجمها، قامت بالدور الذي كان من الطبيعي أن يقوم به هو في مثل هذه الظروف، أن يحميها من تحرشات واصطدامات المارة في وسط هذا التكدس من اللحم البشري في ساعة ذروة .

 

غابا عني بعد ذلك في هذا الازدحام، ولكن ظلا يشغلان تفكيري، وما شغلني أكثر نظرات الفتاة القلقة، ما زلت لا أستطيع نسيانها، وكأنني أخذت صورة فوتوغرافية لها، أوكل هذا القلق والقوة يحدثها الحب؟ وقديماً قال الشاعر بهاء الدين زهير:

أنا في الحب صاحب المعجزات     …..     جئت للعاشقين بالآيات

 

فترة الشباب تكون كل الأمور فيها بعنف وقوة، حتي الحب يكون فيه في عنفوان وشدة،  دون النظر للعواقب والمآلات، ثم طافت بي الدنيا وتساءلت نفسي عن ما سيؤول إليه مصير هذين العصفورين الصغيرين بعد أربع أو خمس سنوات، لو استطعت أن أقود آلة الزمن أو أعرف القدر، هل سأراهما زوجين سعيدين أم أراهما كل واحد فيهما في طرف يم الحياة متنافران، فالحياة لها تصاريفها .

 

 فهو قد تقهره الدنيا بمتطلباتها بحثاً عن العمل والرزق، أو قد تصطاده آلة التجنيد العسكري الإجباري التي لا تترك أحداً من الشباب منذ ثورة يناير إلا ودخل مفرمتها واكتوي بنيرانها، وهل تنتظره هي وتصبر عليه؟ أم تقاوم حتي تضعُف قواها وتستسلم لضغوط أهلها؟ أم تظل تقاوم وتحارب حتي تفوز به؟ وهل لو فازت به سيعيشان معاً حياة  سعيدة هانئة؟ أم تري الدنيا تفعل معهم فعلتها الدنية؟

 

هل تريح رأسها وتبحث بعقلها عن الشاب الغني ذا المال القادم من بلاد الرز الخليجي أو ابن الحسب والنسب؟ أتراها تفضل الحياة الممتلئة بالمال علي الحب، فالحب –كما يقولون- قد يأتي مع الأيام، أو لا يأتي لا يُهم، فالأهم أن تركب السيارة وتلبس ما يحلو لها من أفخر الثياب وتعيش في رغد المال، ولماذا نفرض الغدر من الفتاة فقط؟ فهو قد يتركها مع أخري أجمل وأخف دماً، تلعب برأسه وتكسبه لها، فيتركها لاهثاً وراء ملذاته، فتصاريف القدر لا يعلمها أحد، ولعبة الحياة كثيراً ما تكون غادرةً ماكرةً، وهذه حكم الله التي لا يعلمها إلا هو ولا يُسأل عنها كذلك .

 

دعك من كل هذا الحزن والغدر ولنرجع لذلك الغامض صانع المعجزات كما يقولون، “الحب: قوة جامحة، عندما نحاول التحكم به فإنه يدمرنا، عندما نحاول أن نسجنه فإنه يستعبدنا، عندما نحاول أن نفهمه فإنه يترك مشاعرنا تائهة ومشتتة” كما يقول “باولو كويلو” في روايته “زهير”، هو شيء غامض لا تستطيع أن تتحكم به أو تُمسك بتلابيبه، لماذا هذا الشخص وليس ذاك؟ لماذا هذا الشكل وليس ذلك؟ لا تعرف ولا تريد أن تعرف فقط أنت تريده وكفي، “خلاصة التجارب كلها في الحب أنك لا تحب حين تختار ولا تختار حين تحب، وأننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت” كما يقول الأديب الكبير “عباس محمود العقاد” .

 

هو في نظرك أجمل المخلوقات علي الإطلاق ولو كان غير ذلك، فهو الأجمل والأعظم والأكثر خلقاً وعفافاً وزهداً وحباً، تحاول أن تقنع نفسك بكل هذا، تبذل كل جهدك لتوسد عقلك علي ذلك، “أنت لست جميلاً ولا أنا جميلة، الحب وحده هو الجميل والحب وحده يُرينا الجمال” كما يقول “بهاء طاهر” في رواية “نقطة النور” علي لسان لُبني .

 

أعتقد أنه من مرت عليه الحياة دون أن يشعر بحب أو يقع فيه أنه خسر شيئاً ما في حياته، لم يلامس جوهر الحياة، لم تغص نفسه في أغوار الدنيا، فالحب طاقة تلون حياتك بلون زهري جميل، وللأسف قد تكون ناراً تحرق حياتك وقلبك، فالحب هو هذا المتناقض الغريب، وكان محقاً “باولو كويلو” حينما قرن الحب بالمعاناة، فكثيراً ما يوصل أحدهما للآخر، كما هي التفاعلات الانعكاسية في الكيمياء، “أمران فقط يمكن لهما أن يكشفا أسرار الحياة العظمى: المعاناة والحب” باولو كويلو في رواية “ألف” .

 

هذا هو الحب صانع المعجزات وقاهر القلوب في آن واحد، المثبط والمحفز معاً، والحب هو نافذة النفس علي لذة الدنيا، أو قد يكون العكس، “لا قيمة للحياة من دون عشق، لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي، فالانقسامات لا تؤدي إلا إلي مزيد من الانقسامات، ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف، إنه كما هو نقي وبسيط، العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النار الماء” هذا ما قالته “إليف شافاق” في القاعدة الأربعين من “قواعد العشق الأربعين” .

 

 

عن الكاتب

مقالات اخرى ذات علاقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.