لكلّ ثورة أبطالها و أعداؤها , وبطل ثورة الملح في الهند كان وبدون منازع ( المهاتما غاندي) حيث قاد مئات الملايين على طريق الحرية بقوته الروحية التي أدهشت العالم .

لست أقدم تعاليم جديدة للبشريّة , فالحقيقة واللاعنف قديمان قدم التاريخ

تتسم كلمات غاندي تلك المنقوشة على أحد جدران مؤسسة الساتياجراها التي أسسها في (أحمد أباد ) بالدقة والتواضع الجسم ,ولاشك أن مبدأي الحقيقة واللاعنف اللذين وهب حياته لهما ليسّا بمستحدثين , فلطالما وجدا من الأزل وأكدت عليهما جميع التعاليم الدينية والثقافية والأخلاقية ,لكن غاندي كان يمتلك شيئا جديداً للبشريّة هو كيفية تطبيقهما على نطاق واسع لممارسة مقاومة سلميّة وفعالة أطلق عليها(الساتياجراها) وهي أول حملة عصيان مدني قومية تظهر في التاريخ وتعني (المقاومة السّلمية) وقد أسسها غاندي وأصبحت معروفة للعالم أجمع .

ولد (موهانداس غاندي ) في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول عام (1869) في (بورباندا) التي تعرف أيضا باسم (سودامابوري) وأمضى طفولته فيها , تزوج غاندي في الثالثة عشر من عمره وكان هذا زواجه الأول , درس المحاماة في انكلترا ومن بعدها عاد إلى الهند لممارسة مهنته .

تعرّض غاندي كغيره من الهنود إلى العديد من الإهانات نظرا للعنصرية التي كانت سائدة في ذاك الوقت وتحمّل غاندي تلك الإهانات مرات عديدة .

لقب غاندي ب (المهاتما ) التي تعني (الروح العظيمة) بالسنسكريتيّة , كانت حياته كغيره من البشر حياة طبيعية يتزوج وينشأ عائلة , ولكن بعدها اعتزل زوجته وأولاده وارتدى زي الرجل الهندوسي المقدس ,وعلى الرغم من ذلك لم يقبل بنمط حياة واحدة  فقد اعتبر نفسه عاملا وخياطا ومصلح أحذية ومزارعا ليؤكد على رفضه واحتقاره للتمييز على أساس الطبيعة أو اللون أو الطائفة .

أسرار نجاح ثورة غاندي :

غاندي  ” القائد الذي كان سلاحه غصن من الزيتون ” هو السر الأساسي وراء نجاح ثورته حيث أنه نبذ العنف ولجأ إلى اللاعنف انطلاقا من ديانته الهندوسيّة , اقتنع غاندي كل القناعة بمبدئه الذي نال الربح العظيم والتحرر من كيد الطغاة حيث قال ” إن اللاعنف هو القوة العظمى لدى الإنسان ” .

أما السر الثاني فهو تحليه بالوطنيّة المطلقة , فما كان لثورته أن تنجح وتؤتي أكلها لولا وطنيته ونبذه للعصبية الطائفيّة .

قامت الثورات يوميا في الهند , واشترك فيها الهندوس والسيخ والمسلمون فظهرت فيها مظاهر العنف من قبل المتظاهرين من اعتداء على الشرطة وقتل رجالها ,وهذا مارفضه غاندي كليا فعمد إلى مقاطعة المظاهرات وأعلن الصيام , وهذا مادفع صديقه المناضل (نهرو ) إلى توجيه سؤال له حيث قال : “كيف تقاطع المظاهرات وقد قربت ساعة خلاصنا من المستعمر ؟ ” فأجابه غاندي بكل ثقة : “ليس المهم طرد بريطانيا بل المهم طرد الشيطان من قلوبكم , باللاعنف “

وخلّد غاندي بذلك يوما عالميا للعنف يحتفل به كل عام سميّ (اليوم العالمي للاعنف ) .

ثورة الملح ….

في (13)أبريل عام (1919) اجتمع عشرات الألوف من النساء والأطفال والرجال في مكان يدعى (جاليونا لألاباغ ) , للتظاهر ضد الأنكليز , فأرسل طائراته وبدأت بقصف الجماهير من الجو وساق الرجال إلى السجون , وعلى إثر ذلك دعا غاندي إلى مقاطعة البضائع الإنكليزية ولاسيما الأقمشة التي كان الإنكليز يشتروا قطنها من الهند بأسعار رخيصة وصنعها أقمشة وبيعها لهم بأسعار باهظة , قبض على غاندي وسجن ثلاثة أعوام بعدها استمر غاندي بالعصيان المدني ودعا إلى الامتناع عن دفع ضريبة الملح للانكليز والسير نحو مصنع الملح في (داندي ) تأكيد على عدم قبولهم بصناعة الملح في الهند وإعادة جميع الصناعات الوطنية التي احتكرها البريطانيون .

وأخيرا وبعد النصر الذي حققه غاندي انصرف إلى معالجة مشاكل المنبوذين , حيث عارض المهاتما مشروع عدم انتخاب المنبوذين نوابهم , واعلانهم مواطنون هنود , وانتصرت وجهة نظره هه بعد صيام كاد يودي بحياته , وبعدها انسحب من حزب الؤتمرالوطني واعتزل السياسة في (1943) , وأعلنت بريطانيا الجلاء عن الهند(1948) .

لم ترق دعوات غاندي للأغلبية الهندوسية باحترام حقوق الأقلية المسلمة، واعتبرتها بعض الفئات الهندوسية المتعصبة خيانة عظمى فقررت التخلص منه، وبالفعل في (30) يناير (1948)أطلق أحد الهندوس المتعصبين ويدعى (ناثورم جوتسى ) ثلاث رصاصات قاتلة سقط على أثرها المهاتما غاندي صريعا عن عمر يناهز( 78 )عاما.

بقي غاندي كغيره من أبطال الثورات وجه مضيء ينير تاريخ العالم .

المراجع :

قصة تجاربي مع الحقيقة /ﺗﺄﻟﻴﻒ: ﻣﻬﻨﺪاس ﻛﺎراﻣﺸﺎﻧﺪ ﻏﺎﻧﺪي/ﺗﺮﺟﻤﺔ: ﻣﺤﻤﺪ إﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺴﻴﺪ

www.artsgulf.com

www.maghress.com

عن الكاتب

مقالات اخرى ذات علاقة

2 تعليقان

  1. ملاك حمص

    غاندي من الرجال الذين تصرفوا بحكمة مع الثورات وكان سر نجاحهم هو التوفيق بين كافة الطوائف … في الهند يوجد اكثر من مئتي طائفة وجميعهم يتعاملون على خط واحد وكأنهم أخوة ويعود ذلك إلى حجر الأساس الذي وضعه غاندي ونشره بين شعبه لتحصل كل طائفة على حقوقها بالكامل .. لو أردنا المقارنة بين غاندي وبين حكام اليوم لوجدنا أنفسنا بأننا نعيش بين فكين متعاكسين .. سندان الاتوقراطية ومطرقة الحق .. مقال يحمل بين طياته الكثير من المعايير وتحتاج إلى تحليل عميق لفك الشيفرات التي بين السطور لنصل إلى حقيقة ثورات اليوم .. كل الشكر غاليتي على هذا المقال الغزير ..
    ودي واحترامي لروحكِ الطيبة

    رد
  2. حسناء الاغواني

    شكرا للكتابه على هذه المعلومات لهذا لهذه الرجل المهم لأنه فعلا يستاهل أن يكون مثلا أعلى بين الأبطال

    رد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.