المعروف أن إرادة القتال والمقاومة والصمود، وأن الحماسة والإيجابية في العمل وروح الإبداع والابتكار، وأن الهزيمة والاستسلام واليأس والسلبية هي كلها “حالات عقلية” تنشأ في عقل الإنسان تحت ظروف معينة فتولـد لديه الدوافع النفسية التي تدفعه إلى السلوك الذي يعبر عن تلك الحالات.
وفي مجال الصراع بين الأمم أو بين الجيوش، فإن كل جانب يحرص على أن ينشئ في خصمه “الحالة العقلية” التي تحقق له أهدافه والانتصار عليه. وهنا يأتي دور “الحرب النفسية” أو “الدعاية” التي يجمع الخبراء على أنها أقوى أسلحة الصراع أثرا في تحقيق النصر بسرعة وبأقل الخسائر في الأرواح والمعدات .
فالحرب بالسلاح” تستطيع أن تدمر القوات والمعدات، و “الحرب الاقتصادية” تحرم الخصم من المواد الحيوية، أما “الحرب النفسية ” فهي تستطيع ما هو أخطر وأعمق أثرا، إنها تجرده من أثمن ما لديه وهو “إرادته القتالية“، فهي تستهدف في المقاتل أو المواطن عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه لكي تحطم روحه المعنوية وتقوده إلى الهزيمة، وهذا ما دعا القائد الألماني روميل إلى القول بأن « القائد الناجح هو الذي يسيطر عل عقول أعدائه قبل أبدانهم »، ودعا تشرتشل إلى أن يقول: « كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ! ».. وقد بلغ من تأثير الحرب النفسية أن كثيرا من الأمم – كما يروي التاريخ- استسلمت لأعدائها قبل أن تطلق جيوشها طلقة واحدة!!

ومن أمثلة  ذلك : مافعله هتلر بضباطه اللذين خالفوا أوامره حيث قرر عقابهم بطريقة غريبة ،قام بوضع كل ضابط في سجن لوحده وفي كل سجن وضع موسيقى كلاسيكية و قيدهم وجعل أمامهم ماسورة مياه تنقط ببطئ .
وقال لهم إن في كل سجن هناك تسرب لغاز سام سيقتلهم خلال 6 ساعات وبعد 4· ساعات فقط ذهب ليتفقد الضباط فوجد اثنان منهم قد ماتوا والثالث يعاني تشنجات ويلفظ أنفاسه الأخيرة , والمفاجئة أن موضوع الغاز كان خدعة وحرب نفسية
ليجعل عقولهم هي من تقتلهم ,حيث اتضح إن فكرة الغاز القاتل جعلت أجسامهم تفرز هرمونات تؤثر سلباً
بالقلب وأجهزة الجسم ، وتبدأ بإماتته .

ومن أعظم الدروس التي تستخلص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارته للصراع مع الأعداء أن “استخدام العامل النفسي في الصراع ضرورة حيوية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية“، فمن بين ثماني وعشرين غزوة قادها عليه الصلاة والسلام بنفسه، نجد تسع عشرة غزوة حققت أهدافها بلا قتال، إذ فر الأعداء تحسبا لنتائج مواجهة قوة المسلمين.
وقد قرر الرسول القائد صلى الله عليه وسلم أن “الجهاد باللسان” كالجهاد بالنفس والمال فقال لحسان بن ثابت وكان من شعراء الإسلام: « يا حسان اهج المشركين اهجهم فإن جبريل معك، إذا حارب أصحابي بالسلاح فحارب أنت باللسان” رواه البخاري ومسلم وأحمد.
الحرب النفسية في صراعنا الحضاري:
وليس من شك في أن الأمة الإسلامية تواجه اليوم حربا حضارية، تستهدف تدمير قواها وفرض التبعية عليها، ومنعها من القيام بالنهضة الحضارية التي ترجوها، واستعادة مكانتها اللائقة بها، وإذا كانت الحرب بالسلاح والغزو العسكري والغارات الخاطفة، هي التي تلفت النظر وتستأثر بالاهتمام والانتباه، لما يصاحبها من قعقعة وضجيج على الصعيدين المحلي والعالمي، إلا أنه لا ينبغي مطلقا أن تغفل الأمة عن الدعاية والحرب النفسية أو تقلل من شأنها، لأن القتال له نهاية يوما ما، أما الحرب النفسية فليس لها نهاية، بل هي مستمرة ودائمة في السلم والحرب على حد سواء.


ولكي ندرك حجم هذا الخطر علينا أن نتفهم ماهية الحرب النفسية وأهدافها ووسائلها.
مفهوم الحرب النفسية وأهدافها:
تعرف الحرب النفسية بأنها « هي الاستخدام المخطط للدعاية أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة إلى الدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة، بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة -التي توجهها- أهدافها ».

ويلاحظ منذلك أنّ :
1 – أن الحرب النفسية لا توجه فقط إلى الدول المعادية أولا تنحصر فقط في نطاق الصراع بين الدول المتحاربة أو المتنافسة، بل هي تشمل أيضا الدول الصديقة والدول المحايدة، ولعل هذا هو ما جعل الخبراء يفضلون لفظ “الدعاية” بدلا من “الحرب النفسية” وكل دولة من دول العالم هي في حقيقتها جماع لتلك الأوصاف الثلاثة “معادية ومحايدة وصديقة” فذلك هو الأمر الغالب في العلاقات الدولية، فالدولة غالبا ما يكون لها أصدقاء وأعداء ودول تقف موقف الحياد في مواجهة بعض قضاياها.
2 – وأن “أهداف” الدعاية تختلف باختلاف “وضع” الدولة التي توجه إليها في العلاقات الدولية:
· فإذا كانت الدولة معادية، كان الهدف تحطيم الروح المعنوية والإرادة القتالية وتوجيهها نحو الهزيمة.
· وإذا كانت الدولة محايدة، كان الهدف توجيهها نحو الانحياز للدولة الموجهة أو التعاطف مع قضيتها، أو على الأقل إبقاءها في وضع الحياد ومنعها من الانحياز إلى الجانب الآخر.
· وإذا كانت الدولة صديقة، كان الهدف توجيهها نحو تدعيم أواصر الصداقة مع الدولة الموجهة ونحو المزيد من التعاون لتحقيق أهدافها.

مهام الحرب النفسية:
إن الخبراء الذين يخططون لحملات الحرب النفسية لتدمير الروح المعنوية وتحطيم الإرادة القتالية، يسعون إلى تحقيق هذا الهدف من خلال المهام الرئيسية التالية:
1 – التشكيك في سلامة وعدالة الهدف أو القضية.
2 – زعزعة الثقة في القوة “من كافة عناصرها” والثقة في إحراز النصر، وإقناع الجانب الآخر بأنه لا جدوى من الحرب أو الاستمرار في القتال أو المقاومة.
3 – بث الفرقة والشقاق بين الصفوف والجماعات.
4 – التفريق بين الجانب الآخر وحلفائه ودفعهم إلى التخلي عن نصرته.
5 – تحييد القوى الأخرى التي قد يلجأ إليها الجانب الآخر للتحالف معها أو لمناصرته.

 

الصور والأساليب:
وثمة عدة صور وأساليب تستخدم لتحقيق تلك المهام نذكر منها ما يلي:
1 – الكلمة المسموعة أو المقروءة التي من شأنها التأثير على العقول والعواطف والسلوك، وهو مجال تتعدد فيه الأشكال والوسائل كالكتاب والصحيفة والمجلة والمنشور واللافتة والإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح.. الخ.
2 – الشائعات، وهي أخبار مشكوك في صحتها، ويتعذر التحقق من أصلها، وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الموجهة إليهم، ويؤدي تصديقهم لها أو نشرهم لها “وهذا هو ما يحدث غالبا” إلى إضعاف الروح المعنوية.
3 – التهديد بواسطة القوة “ تحريك الأساطيل – إجراء المناورات الحربية بالقرب من الحدود – تصريحات القادة – إعلان التعبئة الجزئية.. الخ “.
4 – الخداع عن طريق الحيل والإيهام.
5 – بث الذعر والتخويف والضغط النفسي.
6 – الإغراء والتضليل والوعد لاستدراج الجانب الآخر لتغيير موقفه.
ألوان الحرب النفسية:
ومن المفيد أن نعرف أن جهد الحرب النفسية أو الدعاية يوجه في ثلاثة ألوان جرى العرف على تسميتها بحسب مصدرها بالأسماء التالية:
الدعاية البيضاء:
وهي نشاط الدعاية العلني والصريح، الذي يحمل اسم الدولة التي توجهه مثل: الإذاعة ووكالات الأنباء والتصريحات الرسمية، ولذلك تسمى أحيانا بالدعاية الصريحة أو الرسمية.
الدعاية الرمادية:
وهى الدعاية الواضحة المصدر، ولكنها تخفي اتجاهاتها ونواياها وأهدافها، أي التي تعمل وتدعو إلى ما تريد بطريق غير مباشر، كالكتاب الذي يحتوى على قصة أو رواية عادية، لكنه يدعو – بين السطور -وبطريق غير مباشر إلى اعتناق مذهب سياسي معين أو التعاطف معه.
الدعاية السوداء:
وهي الدعاية التي لا تكشف عن مصدرها مطلقا، فهي عملية سرية تماما، ومن أمثلتها الصحف والإذاعات والمنشورات السرية والخطابات التي ترسل إلى المسئولين غفلا من التوقيع أو باسم أشخاص أو منظمات وهمية أو سرية.

الرمادية أخطر الألوان:
وبالمقارنة بين تلك الألوان الثلاثة للدعاية، يتضح لنا أن الدعاية الرمادية هي أخطرها على الإطلاق: فالإنسان بقليل من الوعي والفطنة، يستطيع أن يكشف بسرعة ما وراء الدعاية البيضاء والسوداء، أما الدعاية الرمادية فهو يتجرعها قبل أن يكتشف أهدافها، ويتعرض لتأثيرها دون أن يشعر، لأنها “تتسلل” إلى عقله ووجدانه مستترة وراء شيء ظاهري لا غبار عليه.. أي أنه “يتناول السم في العسل“.. والمعروف أن حملات الدعاية تضم عادة الألوان الثلاثة، ولا تكتفي بلون واحد منها، لكننا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الدعاية الرمادية تحظى بالنسبة الأكبر، وأنها هي الأكثر استعمالا والأوسع انتشارا، وذلك تأكيدا لكونها أقوى أثرا.

عن الكاتب

أحمد اكهاري، محب للقراءة في كتب التاريخ والرواية ،حاصل على شهادة دبلوم تأهيل تربوي من جامعة حلب،ماجستير تأهيل ،هوايتي كرة القدم ومتبابعتها ،المغامرات بكافة اشكالها ،طموحي لايتوقف عند حد ما

مقالات اخرى ذات علاقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.